العوبال: نداء الإبل القديم وفن الحداء عند البدو في الجزيرة العربية
ما هو العوبال؟
العوبال هو أحد أقدم الفنون الصوتية في الجزيرة العربية، ويُعتبر شكلاً من أشكال حداء الإبل الذي استخدمه البدو منذ مئات السنين للتواصل مع الإبل أثناء السقيا أو التنقل. ويتميّز العوبال بنغمة شجية وإيقاع متكرر يُردده الراعي بصوت عالٍ ليسمعه القطيع، فتستجيب الإبل لصوته بانتظام وانسجام مدهش.
أصل التسمية ومعناها عند البادية
يُقال إن كلمة العوبال مشتقة من “العَبّ” أي السقيا والشرب، لأنها تُقال حين “تعوب الإبل” أي تشرب من البئر. بينما يرى بعض الرواة أن أصلها من “العود والبلّ”، أي الصوت المتكرر الذي يرافق حركة الماء والإبل أثناء السقيا. وتُعد من الموروثات السمعية التي تناقلها الرعاة جيلاً بعد جيل، وهي شبيهة بـالهوبال الذي يُستخدم لجمع الإبل لا لسقيها.
الفرق بين العوبال والهوبال
- العوبال: يُقال عند سقي الإبل من البئر لتحفيزها على الشرب بهدوء واطمئنان.
- الهوبال: يُقال عند نداء الإبل وجمعها من المرعى أو عند ترحال القطيع.
ويُلاحظ أن العوبال يميل إلى الهدوء والرقة، بينما الهوبال فيه نغمة أعلى وإيقاع أسرع، لأن الغرض منه الحثّ على الحركة.
أهمية العوبال في حياة البادية
لم يكن العوبال مجرد نداء عابر، بل كان جزءًا من ثقافة التواصل بين الإنسان والإبل في بيئة الصحراء القاسية. فمن خلاله، يعبر الراعي عن مودّته لإبله، ويُدخل الطمأنينة عليها أثناء السقيا. كما يُستخدم العوبال لتهدئة الإبل عند خروجها من البئر أو عند امتلاء القِرب، وله نغمة خاصة يعرفها القطيع تمامًا كما يعرف صوت صاحبه.
العوبال في الشعر الشعبي
تغنّى الشعراء والرواة بالعوبال في قصائدهم القديمة، وعدّوه رمزًا للوفاء بين البدوي ومطيّته. وقد ورد في أحد الأشعار القديمة من رواة الشمال قولهم:
يا صوت عوبالٍ سمع في الفلا ~ يشرح فؤادٍ طاح به همّه ندا الإبل لا جا الظمأ والعطش ~ مثل السحاب إن جا وعمّ أمّه
وهذا النوع من الشعر يُبرز العلاقة الوجدانية بين البدوي وصوته وإبله، حيث يصبح الصوت وسيلة للحب والعطف والتفاهم.
دور العوبال في التراث الثقافي السعودي
اليوم يُعتبر العوبال من الرموز التراثية التي توثق علاقة البدو بإبلهم، وقد اهتمت به وزارة الثقافة والهيئة السعودية للتراث ضمن مشروع تسجيل فنون الحداء في قائمة التراث غير المادي. كما تُقام في المهرجانات الشعبية عروض خاصة للعوبال والهوبال، خصوصًا في مناطق نجد وشمال المملكة، مثل مهرجان الإبل ومهرجان الصياهد.
أنواع العوبال وأداؤه
- 🔹 عوبال السقيا: يُقال أثناء سقي الإبل من البئر.
- 🔹 عوبال التفريغ: يُقال عند تفريغ الماء في الحوض.
- 🔹 عوبال العودة: يُقال عند عودة الإبل من المرعى إلى المراح.
وتختلف الألحان من منطقة إلى أخرى، لكن أغلبها يعتمد على إيقاع النفس الطويل والتكرار المنتظم للألفاظ البدوية القديمة.
أمثال بدوية عن العوبال
وردت عن الرواة أمثال قديمة تتحدث عن نداء الإبل وصوت العوبال، منها:
- “العوبال يطمن البهم ويقعد الوحش” — أي أن الصوت الحنون يهدي حتى النافر.
- “من لا يعرف العوبال، لا يعرف الصحراء” — تعبير عن ارتباط هذا النداء بروح البادية.
الفرق بين نداء الإبل عند القبائل
تختلف نغمة العوبال من قبيلة إلى أخرى؛ ففي نجد يكون الصوت عميقًا وممدودًا مثل “آآه يالعوبال”، أما في شمال الجزيرة فيميل إلى الارتفاع مع الزفرة مثل “هوووه يالعوبال”. هذه الفروقات الدقيقة تعكس تنوع اللهجات والإيقاعات الصوتية عند البدو.
العوبال في الذاكرة الشعبية
رغم التطور الحديث وغياب مشاهد البئر والسقيا، بقي صوت العوبال حاضرًا في الذاكرة الشعبية كرمزٍ للحنين إلى حياة البادية القديمة. ويُروى أن كبار السن إذا سمعوا صوت العوبال في المهرجانات، تأخذهم الدموع، لأنه يذكرهم بماضي الأجداد.
الأسئلة الشائعة حول العوبال
ما الفرق بين العوبال والهوبال؟
العوبال يُقال أثناء سقي الإبل من البئر، أما الهوبال فهو نداء يُستخدم لجمع الإبل أو حثها على المسير.
هل العوبال لا يزال يُستخدم اليوم؟
نعم، ما زال يُردد في بعض المناطق في المناسبات التراثية ومهرجانات الإبل، خصوصًا في نجد وشمال الجزيرة العربية.
هل يُعتبر العوبال نوعًا من الغناء؟
هو أقرب إلى الحداء وليس الغناء، لأن غايته عملية وليست ترفيهية، ويُعد من الفنون الشفوية الأصيلة.
خاتمة
يبقى العوبال واحدًا من أجمل رموز التراث البدوي في الجزيرة العربية، صوتٌ يختصر تاريخ البادية وروح التواصل بين الإنسان والإبل. ومع الجهود الحديثة لتوثيقه، يظل هذا الفن شاهدًا على عبقرية العربي في التعبير بالصوت واللحن في قلب الصحراء.
نُشر بواسطة عبدالعزيز أبو مساعد ضمن مدونة أيام العرب – توثيق التراث النجدي والعربي.