أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

أول وزير في تاريخ المملكة




عبدالله بن سليمان الحمدان: أول وزير في تاريخ المملكة من خارج الأسرة الحاكمة

في بدايات الدولة السعودية الحديثة، حين كانت الرمال تشهد قيام صرحٍ جديدٍ على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، برز رجلٌ من أبناء القصيم اسمه عبدالله بن سليمان الحمدان، صار فيما بعد يُعرف بلقب “وزير ابن سعود”، وكان أول وزيرٍ في المملكة من خارج الأسرة الحاكمة، وأحد الرجال الذين حملوا على أكتافهم همّ بناء الإدارة والمال في بداياتها الصعبة.

نشأته وبداياته

وُلد عبدالله بن سليمان الحمدان في بلدة عنيزة في منطقة القصيم عام 1305هـ تقريبًا (1887م)، ونشأ بين أهل علمٍ وتجـارة، فتعلم في كتاتيب البلدة القراءة والحساب، ثم اتجه إلى التجارة متنقلاً بين البحرين والهند، فاكتسب خبرةً وذكاءً في تدبير المال ومعرفة الرجال.

وفي إحدى رحلاته عاد إلى نجد في وقتٍ كان الملك عبدالعزيز يبني أركان حكمه، فالتقاه ورأى فيه رجلًا من طرازٍ مختلف: أمينًا، حازمًا، وصاحب رؤية عملية. فقرّبه منه وأسند إليه مسؤولية مالية الدولة الوليدة، ليكون بذلك أول من يمسك بخيوط الخزينة العامة.

تأسيس وزارة المالية

مع إعلان توحيد المملكة العربية السعودية سنة 1351هـ (1932م)، رأى الملك عبدالعزيز ضرورة إنشاء جهازٍ مالي منظم يشرف على إيرادات الدولة ومصروفاتها، فاختار عبدالله بن سليمان ليكون أول وزير للمالية. ومن يومها عُرف في التاريخ بأنه أول وزير في الدولة السعودية الحديثة من غير آل سعود.

كان الحمدان من أوائل الرجال الذين جمعوا بين البساطة البدوية والدقة الإدارية، فأسس نظامًا للميزانية، ورتب موارد الدولة، ونظّم صرف الرواتب، ووضع أسس الحسابات الحكومية. ولهذا لُقّب بين موظفيه ورفاقه بـ “وزير كل شيء” لكثرة ما كان يشرف عليه بنفسه.

مواقفه وإنجازاته

لم يكن عبدالله الحمدان رجل مكتبٍ فقط، بل كان حاضرًا في كل ميدان. فقد مثّل الملك عبدالعزيز في توقيع اتفاقية النفط مع شركة ستاندرد أويل كاليفورنيا عام 1933م، وهي الاتفاقية التي وُلدت منها لاحقًا شركة أرامكو السعودية. كما أشرف على أول ميزانية رسمية للدولة عام 1947م، وكان له دور في إدارة الشؤون الاقتصادية والتجارية في مرحلة كانت فيها المملكة تشق طريقها نحو الاستقرار.

ورغم صعوبة المرحلة وقلة الإمكانات آنذاك، إلا أن الحمدان كان يرى أن بناء الدولة يبدأ من ضبط مالها وتنظيمه، فكان شديد الحرص على الأمانة والنظام، حتى أصبح اسمه مرادفًا للصرامة والانضباط في الإدارة المالية.

صفاته وشخصيته

عُرف عبدالله الحمدان بالذكاء والفراسة، قليل الكلام كثير الفعل، يميل إلى البساطة في حياته، لكنه صارم في عمله. يقول من عاصروه إنه كان ينهض قبل الفجر ليراجع دفاتر الوزارة بيده، ويحاسب موظفيه كما يحاسب نفسه. وكان قريبًا من الملك عبدالعزيز، محل ثقته في أدق الشؤون المالية والإدارية.

نهاية الرحلة

ظل الحمدان وزيرًا للمالية لأكثر من عشرين عامًا، حتى عام 1954م تقريبًا، ثم اعتزل العمل العام وتفرغ لأعماله الخاصة. توفي في عام 1385هـ (1965م) بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء، ودفن في الرياض، تاركًا خلفه إرثًا إداريًا واقتصاديًا ضخمًا ما زالت آثاره واضحة في بنية الدولة إلى اليوم.

إرثه وبصمته في التاريخ

يكفيه فخرًا أنه أول من وضع ميزانية للمملكة، وأول من أسس وزارة منظمة للمالية، وأول من وقّع اتفاقية النفط التي غيّرت وجه الاقتصاد السعودي. ويكفيه أن الملك عبدالعزيز كان يلقبه بـ “الوزير الأمين”، دلالةً على ثقته ومكانته في قلب المؤسس.

واليوم، حين تمر في شارع الوزير وسط الرياض، تذكّر أن هذا الاسم لم يُطلق عبثًا، بل تخليدًا لذكرى رجلٍ من عنيزة خدم وطنه بصدق، وأسّس لأجيالٍ جاءت بعده.

خاتمة

عبدالله بن سليمان الحمدان لم يكن مجرد وزير، بل كان رمزًا للبدايات الصعبة، حين كان العمل كثيرًا والموارد قليلة. فقد قدّم مثالًا في الإخلاص والبساطة، وكتب اسمه في سجل الرجال الذين بنوا المملكة بالحكمة والتعب. رحمه الله، وجزاه عن وطنه خير الجزاء.

تعليقات