أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

النوري بن شعلان شيخ الرولة وبطل المواقف العربية

الأمير النوري بن شعلان شيخ الرولة في بادية الشام

النوري بن شعلان شيخ الرولة وبطل المواقف العربية

يُعَدّ الأمير النوري بن هزاع بن نايف بن عبدالله بن منيف الشعلان واحدًا من أشهر شيوخ الرولة من عنزة في التاريخ الحديث للجزيرة العربية وبلاد الشام، عاش زمن التحولات الكبرى من الحكم العثماني إلى العهد الهاشمي فالانتداب الفرنسي، وترك بصمته في السياسة والقبيلة والمواقف العربية الأصيلة.

يجمع سيرة النوري بين دهاء السياسي وهيبة شيخ القبيلة وكريم العرب الذي تُقصَد مضاربه طلبًا للأمان والجاه، حتى غدا اسمه رمزًا من رموز قبيلة عنزة في المشرق، وعلَمًا من أعلام الرولة في بادية الشام.

نسب النوري بن شعلان والانتماء القبلي

ينتمي الأمير النوري إلى أسرة آل شعلان، شيوخ الرولة من عنزة، تلك الأسرة التي تولت مشيخة الرولة أجيالًا متعاقبة، وكان لها حضور واسع في بادية الشام وشمال الجزيرة العربية.

النوري بن هزاع بن نايف بن عبدالله بن منيف الشعلان، من عشيرة الرولة، من قبيلة عنزة، من ضنا مسلم، من قبائل وائل العدنانية.

تميز آل شعلان برياسة تقليدية على الرولة، وبقدرة على جمع الكلمة والتوسط بين القبائل، فجاء النوري امتدادًا لهذه السلسلة، وأضاف إليها بعدًا سياسيًا أوسع مع تبدّل الأنظمة واتساع نفوذ الدول الحديثة.

موطن الرولة ومضارب آل شعلان في بادية الشام

عُرفت الرولة بأنهم من كبريات بطون عنزة في الشمال، تنتشر مضاربهم بين الجوف ووادي السرحان وحوران وبوادي سوريا والأردن، يصلون البادية بالحاضرة، ويتعاملون مع الحواضر الشامية مثل دمشق وحلب ودرعا.

وكانت خيام آل شعلان ومضايف النوري خاصة مقصدًا للضيفان والقوافل، يمرون بهم في طريقهم بين العراق والشام والحجاز، فيجدون عنده الأمان والذرى والقهوة والجاه، ما جعل اسمه معروفًا عند أهل البادية وأهل المدن على السواء.

هذا الامتداد في الأرض جعل من شيخ الرولة لاعبًا مهمًا في توازنات القوى بين القبائل من جهة، وبين القبائل والدول القائمة من جهة أخرى.

العصر الذي عاش فيه – من العثمانيين إلى الاستقلال

امتدت حياة النوري بن شعلان خلال مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة، شهدت أواخر الحكم العثماني، ثم الحرب العالمية الأولى وبروز الثورة العربية الكبرى، ثم عهد الملوك الهاشميين في الشام، فالانتداب الفرنسي على سوريا، حتى بدايات الدولة الوطنية الحديثة.

في هذه الظروف المتغيرة كان على شيخ قبلي مثل النوري أن يوازن بين حفاظه على مكانة قبيلته وبين تعاملاته مع الدول والسلطات الجديدة، فصار يختار مواقفه بعناية، ويشارك في الأحداث حينًا، ويعتزلها حينًا آخر، بحسب ما يراه أنسب لمصلحة قومه.

هذا المزيج بين الزمن القبلي والزمن السياسي الحديث جعل من النوري شخصية جسر بين عالمين: عالم البادية التقليدي وعالم الدولة الحديثة وحدودها وقوانينها.

زعامة النوري بن شعلان على الرولة وعنزة في الشام

تسلّم النوري مشيخة الرولة في مرحلة كان فيها ثقل القبيلة كبيرًا، فكان لزامًا عليه أن يكون شيخًا جامعًا قادرًا على حسم الخلافات الداخلية، وحماية حقوق قومه في المراعي ومسالك الإبل وطرق التجارة.

وتجاوزت زعامته حدود الرولة، فصار يُنظر إليه بوصفه أحد كبار شيوخ عنزة في الشام، يرجع إليه الناس في قضايا الدم والصلح، وتُرسَل إليه الرسل من الحكومات لأخذ رأيه أو ضمان حياد قبيلته في بعض النزاعات.

هذا الدور جعله جزءًا من معادلة الأمن في البادية، فحيث يكون النوري حاضرًا يكون الطريق آمنًا، وحيث يغيب غيبت معه هيبة الشيخ التي تمنع كثيرًا من الفتن.

مواقفه العربية والإنسانية

ارتبط اسم النوري بن شعلان بعدد من المواقف التي حفظها له الناس، منها ما يتعلق بـنصرة المظلوم وإغاثة اللاجئين، ومنها ما يتعلق بموقفه من بعض الأحداث الكبرى في زمنه.

  • استقبال بعض اللاجئين إلى البادية ممن ضاقت بهم المدن، وتأمين الحماية لهم في ديار الرولة.
  • التدخل للصلح بين قبائل متنازعة، مستفيدًا من مكانته بين عنزة وغيرها من القبائل في الشمال.
  • مواقف مشهودة في حفظ الدم عند اشتداد الخصومات، حين يرفض زجّ قومه في صراعات لا طائل من ورائها.

هذه المواقف وغيرها رسّخت صورته كـشيخ عربي يجمع بين القوة والرحمة، وبين الحزم والرفق عند الحاجة.

علاقته بالحكام والرحالة والقناصل الأجانب

بحكم موقعه الجغرافي وزعامته الواسعة، تعرّف النوري بن شعلان على عدد من الحكام العرب والمسؤولين العثمانيين ثم الفرنسيين والإنجليز، إضافة إلى الرحالة الغربيين الذين جابوا بادية الشام ووثّقوا حياة القبائل.

كان هؤلاء الرحالة يذكرون في كتاباتهم مضايف النوري، ويصفون هيبة المجلس وكثرة الضيوف، وكيف أن اسمه يفتح أمامهم أبواب البادية، فيتنقلون بأمان تحت حمايته وحماية فرسان الرولة.

هذه العلاقات المتشعبة أعطته خبرة سياسية، وجعلته يدرك مبكرًا أن زمن القبيلة وحدها يتغير، وأن على الشيخ أن يتعامل مع خرائط جديدة ترسمها الدول والاتفاقيات الدولية.

النوري بن شعلان في الشعر والرواية الشعبية

لم يكن حضور النوري في الوثائق الرسمية وحدها، بل حضر بقوة أيضًا في الشعر النبطي والروايات الشفهية عند أبناء عنزة والقبائل الأخرى، بوصفه رمزًا للفروسية والكرم والمواقف.

تتردد على الألسن أبيات في مدح آل شعلان عمومًا، وذكر النوري خصوصًا، تصفه بأنه ذرى الضعيف ومقرّب الضيف وأنه إن وعد وفى، وإن شفع قُبلت شفاعته، ومن ذلك – على سبيل المثال – أبيات يرد فيها اسمه أو اسم أسرته في سياق الفخر والحماية.

يا راكبٍ فوق السبايا العرابي        من نجد لابات الشمال ارتحالا
سلّم على شيوخ الرولة تهامي        واذكر نباك لنور عين الشلالة
النوري بن شعلان راع المقامي       شيخٍ تحط الراي فيه الثمالا
  

ومع اختلاف الروايات في ضبط النصوص، إلا أن الإجماع الشعبي قائم على أن اسم النوري اقترن في الذاكرة بـالهيبة والكرم والمواقف العربية.

قراءة تحليلية في شخصية النوري ودوره التاريخي

إذا تأملنا سيرة النوري بن شعلان، نجد أنفسنا أمام شخصية مركّبة تجمع بين ثلاثة أدوار رئيسية:

  • شيخ قبيلة حافظ على تماسك الرولة ومكانتها بين قبائل عنزة والبادية عامة.
  • رجل سياسة أحسن التعامل مع الدول المتعاقبة، من العثمانيين إلى الفرنسيين، دون أن يفرط في كرامة قومه.
  • رمز عربي ارتبط بالمروءة والكرم وإغاثة الملهوف في المخيال الشعبي.

هذه الأدوار الثلاثة جعلته نموذجًا لـشيخ البادية في زمن الانتقال إلى الدولة الحديثة، فكان يتحرك بين عالمين: عالم السيف والفرس والخيمة، وعالم المعاهدات والحدود والخرائط.

لذلك فإن دراسة سيرة النوري بن شعلان لا تغني فقط في فهم تاريخ قبيلة عنزة، بل تعين أيضًا على فهم تاريخ بلاد الشام والجزيرة في بدايات القرن العشرين، وكيف لعبت الزعامات القبلية دورًا مهمًا في التوازن بين البادية والدولة.

المراجع والمصادر التراثية

  • روايات الرواة من أبناء قبيلة عنزة، خاصة من الرولة، حول سيرة النوري بن شعلان ومواقفه.
  • ما أورده عدد من المؤرخين عن شيوخ الرولة وآل شعلان في كتب التاريخ الحديث للجزيرة وبلاد الشام.
  • كتابات بعض الرحالة الغربيين الذين زاروا بادية الشام ووصفوا مجالس آل شعلان وحياتهم.
إعداد: عبدالعزيز أبو مساعد العنزي – مدونة أيام العرب
تعليقات