فن الهُوبال: غناء الصحراء ونداء الإبل في الجزيرة العربية
إعداد: عبدالعزيز أبو مساعد – مدونة أيام العرب (rooo3.com)
ما هو الهُوبال؟ تعريف جامع
الهُوبال فن صوتي بدوي أصيل من فنون حداء الإبل، يقوم على إطلاق أنغام ونبرات ممدودة ذات إيقاع بسيط، ينادي بها الراعي إبله لِـجمعها وتهدئتها وحثّها على السير أثناء الرحلة أو وقت الأوبة (المرواح). وهو ممارسة عملية تراثية انتقلت شفاهةً عبر الأجيال، تدمج بين الحاجة العملية (ضبط القطيع) والبُعد الوجداني (التسلية وبث الطمأنينة).
المعنى اللغوي والتاريخي والروايات المبكرة
تُنطق الكلمة في بعض لهجات البادية «الأوبال» مع تخفيف الهمزة إلى «هُوبال»، ويرتبط معناها بحقل الأوبة والرجوع؛ لذا ارتبط أداؤها تقليديًا بوقت العودة وجمع الإبل. أما الإطار الفصيح الجامع فهو الحداء الذي أصلته المعاجم بأنه «سَوقُ الإبل مع الغناء لها»، ثم تفرعت عنه تسميات لهجية عديدة، منها: الهوبال/الهوبلة، التغريدة/التغرودة في الخليج، وغيرها.
في التراث الأدبي تُروى قصص مبكرة عن نشأة الحداء، أشهرها قصة مُضَر بن نِزار بوصفها صورة رمزية لبدء الغناء للإبل، كما تُنقل أبيات قديمة تستعمل ألفاظ النداء للإبل وتُظهر قِدم هذا الفن في حياة العرب.
نداءات الإبل المبكرة (الدَّواهة) وتطور الحداء
قبل تشكّل القصيدة الموزونة، عرف الرعاة نداءات قصيرة سُمّيت في الرواية الشعبية «الدَّواهة» (أو التدوِية) مثل: هيد/هي دو/دوه/دُه/داه… وهي أصوات وظيفية خالصة للتنبيه وجذب الانتباه. ومع الزمن تحوّلت هذه النداءات إلى أنغامٍ أطول، ثم أوزانٍ شعرية سهلة (رجز/متدارك) تتوافق مع وقع سير الإبل؛ وهنا يتبلور الحداء بأنماطه، ومنه الهوبال بوظيفته الخاصة وقت الأوبة.
طريقة أداء الهوبال ومتى يُستخدم
خصائص صوتية وأوزان قريبة
- أداء شفهي منفرد غالبًا، بلا آلات موسيقية؛ نبرة شجية، وإيقاع يوافق وقع خطو الإبل.
- يميل إلى تراكيب قصيرة على وزن قريب من الرجز (مثل: مستفعلن)، أو المتدارك الخفيف (فعلن).
- يمكن التناوب بين راعيين في موارد الماء (نداءات قصيرة حوارية).
أوقات ومقامات الأداء
- وقت الأوبة/المرواح: جمع الذود المتفرّق والعودة للمراح.
- أثناء المسير الطويل: كـ«أغنية طريق» تملأ فراغ الصحراء وتخفف عن الراعي وإبله.
- التهدئة عند الفزع: خفض النبرة إلى ما يشبه الونّة للطمأنة.
موضوعات النصوص الشفهية
غالبًا ما تمزج نصوص الهوبال بين الشوق للأهل/الديار، والغزل، ووصف الطريق والمرعى، وأحوال السفر، في عبارات موجزة يسهل ترديدها والإصغاء لها من الإبل.
الوظائف العملية والنفسية للهوبال مع الإبل
- النداء والتجميع: إشارة سمعية مألوفة تجذب الإبل المشتتة نحو الراعي بسرعة.
- الحثّ على المسير: الإيقاع المنتظم ينشط القطيع ويرتب مشيته لمسافات طويلة.
- التهدئة والطمأنة: تحويل النبرة إلى «ونّة» عند القلق/الضوضاء/الرياح يفيد في خفض التوتر.
- التوجيه والقيادة: تتبع مصدر الصوت يسهّل تغيير الاتجاه والورود للماء (ويُسمّي بعض الرعاة غناء السقيا «العُوبال»).
- تقوية العلاقة و«اللغة المشتركة»: الإبل تتعرّف إلى الصوت واللحن وتربطهما بصاحبها، ما يُحسّن الاستجابة.
التدريب والإشارات الصوتية وضبط القطيع
يُدَرِّب الرعاة إبِلهم على الاستجابة لألفاظ/ألحان محددة (أوامر جمع، مسير، ورود ماء). مع التكرار، تتحوّل إلى روتين شرطي يسهل به التحكم في الذود. كما يُستخدم التفريد الصوتي (أسماء/أصوات خاصة لبعض النوق) لاستدعائها منفردةً. ويُراعى اختلاف طبقات الصوت حسب بُعد الذود واتجاه الريح.
- لا تكثر تغيّر اللحن فجأة؛ الثبات يبني استجابة أسرع.
- ارفع النبرة مع المسافات، وخففها عند التجمع والسقيا.
- استعمل كلمات قصيرة واضحة، وكرّر اللازمة (هوب/هوبال) كل شطرين.
الهوبال ضمن عائلة الحداء: الفروق مع الحداء والتغرودة والطراد
كل هوبال هو حداء، وليس كل حداء هوبال. الحداء إطار واسع لسوق الإبل مع الغناء: (حداء الرحيل، السفر، السقيا/العُوبال، الأوبة/الهوبال...). يتميّز الهوبال بطابعه الشجي المرتبط بالأوبة وجمع الإبل. في الخليج تتقاطع معه التغرودة (شِلات ثنائية على ظهور الإبل) وظيفيًا، لكنها أكثر مساجلةً واجتماعية. أما الطراد فغناء حماسي للفروسية/المطاردة مرتبط بالخيول والبشر، وأداؤه أشد نبرةً وإيقاعًا.
الانتشار الجغرافي واللهجي
يُعرف الهوبال بين بُداة نجد والدهناء والصمان وشمال الجزيرة، ويظهر بمسميات ولهجات متقاربة في الحجاز وتهامة وبعض نواحي الربع الخالي، وتبرز التغرودة بصيغتها الثنائية في الخليج. تتنوع العبارات والأوزان، لكن الجوهر واحد: نداءٌ منغّم يضبط حركة القطيع.
أمثلة من نصوص الهُوبال التراثية المنقولة عن رواة البادية
🔸 «هـوُوبـال يالبوش هـوُوبـال يا رمحيّه»
نداء لجمع النوق الرمحيّات القويات بعد طول المرعى.
🔸 «هـوب يالبوش هـوب، ردّي لا تسرحين عنّي، يا ذودٍ ما وراك غيري»
يُستخدم قرب الغروب لردّ الإبل المبتعدة.
🔸 «هوووب يا مطرّب القايد، يا اللي تهيد الهيد، وراعيك ناوي العودة»
عند الرجوع إلى المراح؛ إيقاعه أسرع قليلًا.
🔸 «هـوبـال يا رعيّة، يا بنات الطرْق ليّـة، هووبـال للمورد الميّه»
غناء السقيا نحو البئر.
🔸 «هـوبـال يا الحُرّا، خذي خطوتك جرّا، ترَي موردك ذي السهلا»
لتشجيع الناقة المتعبة على مواصلة السير.
🔸 «هـوب يا الذود هـوب، ردّي وردّي ليّه، يا شوق قلبي ليّه»
نداء يغلب عليه طابع «الونّة» المهدّئة.
🔸 «هـوبـال يا زين الهجن، يا وردٍ على العشب غفن، هووبـال صوب الحصن»
عند الاقتراب من المراح/القرية.
🔸 «هـوبـال يا بنات الفطر، ردن عن راس الحفر، ما عاد فينا صبر»
من أمثال نجد وقت المساء بنغمة حزينة.
🔸 «هـوبـال يا نوقي، يا عزّي وشوقي، هووبـال للظل والذوقي»
نموذج قصير للمداعبة أثناء الحداء الطويل.
نصوص منقولة بلهجاتها عن رواة من بادية نجد والدهناء وشمال الجزيرة، تُظهر تنوع الإيقاع والنغمة للهوبال.
الأسئلة الشائعة عن فن الهوبال
ما هو الهوبال باختصار؟
غناء بدوي شفهي مخصص لنداء الإبل وجمعها وتهدئتها وحثّها على السير؛ أحد أنماط الحداء في الجزيرة العربية.
متى يُستخدم الهوبال عادة؟
غالبًا وقت الأوبة/المرواح عند جمع الإبل، وكذلك أثناء التنقل بين المراعي لمسافات طويلة.
هل يختلف الهوبال عن الحداء؟
الهوبال أحد أنماط الحداء المتخصصة (حداء الأوبة). الإطار الأوسع هو الحداء الذي يشمل الرحيل والسفر والسقيا.
ما الفرق بين الهوبال والتغرودة؟
التغرودة شِلات بدوية ثنائية على ظهور الإبل في الخليج؛ قريبة وظيفيًا من الحداء لكنها أكثر مساجلةً واجتماعية. الهوبال أداء فردي غالبًا.
هل يوجد «طراد» ضمن فنون الإبل؟
الطراد غناء حماسي للفروسية/المطاردة مرتبط بالخيول والبشر أكثر من الإبل، وإيقاعه أشد من الهوبال.
المصادر والمراجع التفصيلية
- المعاجم العربية الكلاسيكية: لسان العرب، تاج العروس — مادة «حدا»: تعريف الحداء بأنه سوق الإبل بالغناء.
- روايات نشأة الحداء في الأدب العربي (قصة مضر بن نزار)، ونقولات شعرية عن نداءات الإبل وألفاظ «الدواهة» القديمة.
- إبراهيم الخالدي: الرجز والحداء — جمع وتحليل لنصوص الحداء وأوزانه وتطوراته.
- محمد العجيري: الحداء — تحوّل لغة الحداء من الفصحى إلى اللهجات وأثر البيئة.
- سعد الصويان: دراسات في الشعر الشعبي وفنون الصحراء (ومنها حداء الفروسية).
- مواد سمعية/مرئية محلية توثق حداء/تغرودة الإبل في الجزيرة العربية، وبرامج تراثية ومهرجانات محلية.
تم الحفاظ على روح الإحالات والمضامين كما وردت في العرض التفصيلي السابق مع صياغة تحريرية مناسبة للنشر.
الخاتمة
يُجسّد الهوبال لغة حيّة بين البدوي وناقته؛ صوتٌ بسيطٌ صادقٌ يضبط حركة القطيع، ويجمعه، ويهدّئه، ويمنح الصحراء إيقاعها الإنساني. ستبقى أصداء الهوبال علامةً على عمق العلاقة بين العربي و«سفينة الصحراء» ما دامت الإبل حاضرةً في الحياة والثقافة.
تم إعداد هذا الملف بتنقية لغوية وتاريخية خفيفة مع الحفاظ على روح النص الأصلي ومادته.